مقالات

كفالة الأيتام: حين يصبح العبء الثقيل واجبًا لا يُرد

كان أبي يكفل أربعة أيتام، تركهم خالهم لأمّهم، وكانت هي نفسها أرملة قد أوصى بأبنائها ابن أخيها. حمل هذا العبء الثقيل في ظروف خاصة قاسية، فرضتها طبيعة الحياة في البادية.

كانت أيام الصيف وحدها كفيلة بإنهاك الرجال الأشداء، فالحرارة اللاهبة والعطش الدائم كانا يجعلان من جلب الماء، للإنسان والحيوان على حدٍّ سواء، معاناة يومية متجددة. وما إن ينقضي الصيف حتى يأتي الشتاء بقسوته الخاصة، حيث يغيب الدفء، ولا تقوى الخيام المصنوعة من الصوف وشعر الماعز على رد البرد القارس ولا الصقيع اللاذع.

وفي خضم هذه الظروف الصعبة، لم يكن لهؤلاء الأيتام من يأويهم سوى أبي. فزادهم إلى كفالته، لا طمعًا في أجر دنيوي ولا تفاخرًا بين الناس، بل تحاشيًا لقلق الأرملة المفجوعة، وحرصًا على ألا يشعر أولئك الصغار بوطأة اليتم في زمن كانت فيه القسوة الطبيعية تكفي وحدها عبئًا على الإنسان.

لقد كانت تلك الكفالة درسًا في المعنى الحقيقي للمروءة: أن يحمل الرجل عن غيره ثقل الحياة، دون أن ينتظر مقابلاً، ودون أن يُشعر من يكفلهم بأنهم عالة على أحد. وتلك، في اعتقادي، من أنبل صفات الرجال الذين عرفتهم البادية الجزائرية في تلك الحقبة؛ رجال صنعتهم قسوة الطبيعة، فصقلت فيهم الكرم والإيثار بدل أن تقسّي قلوبهم.