تعلمتُ من اليتم الكثير. لقد كنا في ذلك البيت ستة أيتام، وكان لا بد لنا من نشاط يستوعب طاقتنا، ولا بد من قائد يضبط إيقاع ذلك البيت الصغير. وقد كان ذلك القائد هو أبي.
كان أبناء خالي، وبخاصة أكبرهم، لا يعرفون من أساليب التعامل إلا المشاكسة، فخلقوا أجواء من العنف داخل المنزل الآوي لنا جميعًا. في فترة القيلولة، كنا نقوم بما يشبه الانتفاضة الصغيرة، نرمي عصا جدي بالحجارة، ويتفنن آخرون منا في أساليب السبّ وأفعال أقرب إلى فعل الشياطين منها إلى فعل الأطفال.
وكان أبي، في كل ذلك، يكظم غيظه ويتجاوز الإساءة، متخذًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم مرجعًا ومثالًا يُسترشد به: “أنا وكافل اليتيم هكذا في الجنة”، وقرن بين إصبعيه. فكان يرى في صبره على شغبنا طريقًا إلى تلك المنزلة التي وعد بها من يرعى يتيمًا، فيحتسب كل إساءة منّا عند الله، ويقابلها بالحلم لا بالقسوة.
لقد كان ذلك البيت، رغم كل ما شهده من فوضى الطفولة وجراح اليتم، مدرسة حقيقية في الصبر والاحتساب، علّمتنا أن القسوة لا تُقابل بمثلها، وأن الرجل الحق هو من يحمل أذى من يكفلهم ابتغاء وجه الله، لا انتظارًا لشكر أو جزاء.