في زمن بعيد من عمري، رحلت أمي عن الدنيا ولم أكن قد أتممت عامي الثاني بعد. فكيف لطفل في تلك السن أن يعي ما يحيط به، أو أن يدرك حجم ما فقد؟
يروي لي من عاصر تلك الأيام أني كنت أحملق في وجوه النساء من حولي، أفتش عن أمي بين ملامحهن. ولم تكن واحدة منهن — مهما حاولت — تسد ذلك المكان الذي تركته أمي شاغرًا في قلبي الصغير.
كانت النسوة يتبادلن النظرات فيما بينهن، لا يدرين ما الذي يعتمل بداخل هذا الطفل، إلى أن فسّرت إحداهن نظراتي التائهة: “إنه يبحث عن أمه، إنه يريد الماء…” ثم أردفت بحسرة: “مسكين، ماتت أمه.”
في تلك اللحظات المبكرة من عمري، فهمت كلمة “الماء” — لا لأنها تعني الشراب، بل لأنها تكررت على كل الألسنة كلما بحثت بعيني عن وجه أمي الغائب. صارت “الماء” في ذاكرتي الطفولية مرادفًا لذلك البحث العقيم، ولذلك الفراغ الذي لم تملأه الأيام.
واليوم، بعد أن طوت السنون تلك الذكرى البعيدة، ما زالت هذه الكلمة تحمل في داخلي صدى ذلك البحث الأول، وأول درس تعلمته في الفقد: أن بعض الغياب لا تسده الوجوه، مهما كثرت.